أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(
إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِّلطَّاغِينَ مَئـَاباً *
لابِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ
شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً *
جَزَآءً وِفَـقاً *
إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِـَايَـاتِنَا
كِذَّاباً * وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُواْ فَلَن
نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابا*ً
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً *
حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً *وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً *
لاَّيَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَاباً * جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ
عَطَآءً حِسَابا*
رَّبِّ السَّمَـوَاتِ وَالاَْرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا الرَّحْمَـنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً * يَوْمَ
يَقُوم ُالرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ
أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ
وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ
الْحَقُّ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَئـَاباً * إِنَّآ
أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابا ًقَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ
يَدَاهُ وَيَقُولُ
الْكَافِرُ يَـالَيْتَنِى كُنتُ تُرَاباً ).
**التفسير "ابن عثيمين"**
{إن جهنم كانت مرصاداً }أي
مرصدة ومممدة للطاغين وجهنم أسم من أسماء كثيرة وسميت بهذا الأسماء لأنها
ذات جهمة وظلمة بسوادها وقعرها أعاذنا الله وإياكم منها وهي مرصاد للطاغين
قد اعدها الله عز وجل لهم من الآن فهي موجودة كما قال تعالى : {واتقوا
النار التي أعدت للكافرين } [البقرة : 24 ] حين عرضت عليه وهو يصلي صلاة
الكسوف ورأي فيها إمرأة تعذب في قطة لها حبستها لا هي أطعمتها ولا أرسلتها
تاكل من خشاش الأرض ؛ ورأي فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار
يعني امعائه لأنه كان أول من أدخل الشرك على العرب؛ هذه النار يقول الله
عز وجل أنها :
{للطاغين مآبا }
والطاغون جمع طاغ وهو الذي تجاوز الحد كما قال تعالى : { إنا لما طغى
الماء حملناكم في الجارية} [ الحاقة :11 ] . أي زاد وتجاوز حده وحد
الانسان مذكور في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
[الذاريات: 56].
وتجاوز الحد يكون في حقوق الله ويكون في حقوق العباد
، أما في حقوق الله _ عز وجل _ فإنه التفريط في الواجب أو التعدي في
المحرم ، وأما الطغيان في حقوق الآدميين فهو العدوان عليهم في أموالهم
ودمائهم وأعراضهم . وهذه الثلاثة التي حرمها رسول الله صلى الله و آله
وسلم ، وأعلن تحريمها في حجة الوداع في أكثر من موضع فقال: ((إن دمائكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام )) .
فالطغاة في حقوق الله وفي حقوق العباد هم أهل النار والعياذ بالله؛ ولهذا قال :
{للطاغين مآبا} أي مكان أواب، والأوب في الأصل الرجوع ، كما قال تعالى: { نعم العبد إنه أواب }(ص : 30 ) أي رجاع إلى الله -عز وجل.
{لابثين فيها أحقابا } أي باقين فيها ،
{أحقابا
} أي مدداً طويلة ؛ وقد دل القرآن الكريم على أن هذه المدد لا نهاية لها
وأنها مدد أبدية كما جاء ذلك مصرحاً به في ثلاث آيات من كتاب الله في سورة
النساء في قوله تعالى : {إن الذين ظلموا وكفروا لم يكن الله ليغفر لهم ولا
ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا }
[النساء : 168 - 169].
وفي سورة الأحزاب {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبدا لا يجدون ولياً ولا نصيرا } [الأحزاب : 64 - 65].
وفي سورة الجن في قوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } [الجن : 23].
فإذا كان الله تعالى صرح في ثلاث آيات من كتابه بأن أصحاب النار مخلدون
فيها أبداً ، فإنه يلزم أن تكون النار باقيةً أبد الآبدين وهذا هو الذي
عليه أهل السنة والجماعة ، إن النار والجنة مخلوقتان ولا تفنيان أبداً
ووجد خلاف يسير من بعض أهل السنة في أبدية النار ، وزعموا انها غير مؤبدة،
واستدلوا بحجج هي في الحقيقة شبه لا دلالة فيها لما ذهبوا إليه ، وإذا
قورنت بالأدلة الأخرى ، تبين أنه لا معول على المخالف فيه ولا على قوله ،
والواجب على المؤمن أن يعتقد ما دل عليه كتاب الله دلالة صريحة لا تحتمل
التأويل، والآيات الثلاث التي ذكرناها كلها آيات محكمة لا يتطرق إليها
النسخ ، ولا يتطرق إليها الاحتمال، أما عدم تطرق النسخ إليها فلأنها خبر ،
واخبار الله _ عز وجل _ لا تنسخ وكذلك أخبار رسوله صلى الله عليه وآله
وسلم ، لأن نسخ أحد الخبرين بالآخر يستلزم كذب أحد الخبرين ، إما تعمداً
من المخبر أو جهلاً بالحال ، وكل ذلك ممتنع في خبر الله وخبر رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم ، المبني على الوحي ، وأما عدم تطرق الأحتمال
فللتصريح بالأبدية في الآيات الثلاث ،والمهم أنه يجب علينا أن نعتقد شيئين
:
الشيء الأول : وجود الجنة والنار الآن وأدلة ذلك من القرأن والسنة كثيرة منها قوله تعالى :
{ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين } [ آل عمران : 133].
والإعداد
التهيئة وهذا الفعل ( أعدت ) فعل ماضي يدل علي أن الإعداد قد وقع وكذلك
قال الله تعالى في النار : { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } [ آل
عمران : 131].
والإعداد تهيئة الشيء ، والفعل هنا ماض يدل على الوقوع
وقد جاءت السنة صريحة في ذلك في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،
رأي الجنة ورأي النار .
الشيء الثاني : أعتقاد أنهما داران أبديتان
من دخلهما وهو من أهلهما فإنه يكون فيهما أبداً ، أما الجنة فمن دخلها لا
يخرج منها كما قال تعالى : { وما هم منها بمخرجين} [الحجر : 48]. واما
النار فإن عصاة المؤمنين يدخلون فيها ما شاء الله أن يبقوا فيها ، ثم يكون
مآلهم الجنة كما شهدت بذلك الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، فقوله تعالى {لا بثين فيها أحقابا} . لا تدل بأي حال من
الأحوال على أن هذه الأحقاب مؤمدة يعني إلى أمد ثم تنتهي ، بل المعنى
أحقاباً كثيرة لا نهاية لها .
.